تصدير الفوضى.. لماذا نجحت إيران ولماذا فشلنا؟
كان ذلك قبل أكثر من 40 عاماً كاملة.. كان العرب ودول العالم الثالث يطوون صفحات هامة فى تاريخهم ومعها أسماء من سطروا ذلك التاريخ. ودع المصريون جمال عبد الناصر فى وفاة مفاجئة مطلع سبعينيات القرن الماضى وفى العام نفسه كان الموت على موعد مع أحمد سوكارنو أول رئيس لإندونيسيا بعد الاستقلال، لتأبى السبعينيات أن تغادر صفحات التاريخ دون أن تحصد المزيد من الزعامات وآخرهم فى ذلك العقد، كوامى نكروما الزعيم الغانى.
من القصر إلى القبر، ودع العرب وشعوب العالم الثالث فى سبعينيات القرن الماضى زعماء، ونصبوا زعماء. فيما كانت إيران، تلك الإمبراطورية التى تربطها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، تمضى فى طريقها القائم على تفاهمات ترقى إلى العمالة بين القصر والبيت الأبيض، وتواصل دورها فى العداء الناعم غير المعلن مع عواصم العالم العربى وكافة الدول المعادية للإدارات الأمريكية المتعاقبة.



راقبت إيران الرسمية الجنازات الشعبية لزعماء العرب بغير اهتمام، فيما تابعت إيران غير الرسمية المشهد بأعين سكنها الشوق لأن يكون لديها زعامة لا تربطها عمالة بالأمريكان، وكاريزما لا تشوب سيرتها علاقات من وراء ستار مع قوى الاستعمار، كان رهان الشعب فى ذلك الحين على آية الله موسوى الخمينى، ذلك العجوز المنفى إلى فرنسا بأوامر الشاه محمد رضا بهلوى آخر حكام إيران فى عصرها الإمبراطورى.



راقبت إيران مشاهد الوداع ومراسم التنصيب ، فيما كانت أحلام الزعامة تراود البسطاء ، والرغبة فى العيش تحت راية "القائد الملهم" على غرار العرب تسيطر على الجميع بعدما فشل نموذج محمد مصدق فى مواجهة قوى الاستعمار ونفوذها الاقتصادى، فكان الدخول طواعية فى عباءة رجل الدين الذى يمتهن السياسة هو المصير.



بوتيرة متسارعة منذ بداية السبعينيات وحتى نهايتها تشكلت نواة الثورة فى إيران إلى أن وصلت نقطة الغليان عام 1979، حينما أرغمت التظاهرات الشعبية المتكررة النظام الإيرانى على القبول بعودة "الإمام المنفى" ، ليعرف تاريخ الشرق الأوسط منذ ذلك الحين نوعاً جديداً من الثورات قائم على مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية تم تلوينها جميعاً بصبغة دينية ويفاجئ من يسكنون الخرائط فى تلك المنطقة من العالم بدولة ثانية ـ بخلاف إسرائيل ـ تعلن قيامها على أساس دينى.



ثار الإيرانيون فيما كانت القاهرة تعلنها على لسان زعيمها الراحل أنور السادات، وتؤكد أن 6 أكتوبر هى آخر الحروب.. ثار الإيرانيون دون أن يدروا أن بلادهم وحدودهم ومن قادوهم إلى القصر هم من سيشعلون فتيل المعركة القادمة، لتولد من رحمها عشرات من الحروب الرسمية وغير الرسمية، والنزعات المعلنة وغير المعلنة.



بشعار الدم والنار، دشنت إيران عهدها الجديد، واختار القادمون الجدد أقصر الطرق لتصفية الحسابات مع العهد البائد، لتعلق ماضيها على مشانق الثورة دون توفير محاكمة عادلة، ودون كفالة ما يحفظ الحقوق. لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة عنوانها "تصدير الثورة"، تحت رايات "الدولة الإسلامية" المنشودة، وشعارات توافر فيها الحماس، وغاب عنها العقل والمنطق.



ومع شعارات تصدير الفوضى، كان بديهياً أن توصد كل الأبواب التى تؤدى إلى قبول الآخر، وكان الصدام العسكرى أقرب مما توقعه كثيرون، لتندلع الحرب العراقية الدامية مع الشريك الحدودى الأول لـ"إيران الثورة"، ليذهب الخمينى إلى ما هو أبعد من بغداد، ويراسل بعد أقل من 10 سنوات على تدشين نظام حكمه، وتحديداً فى السابع من يناير 1989 زعيم الاتحاد السوفيتى ميخائيل جورباتشوف، ليدعوه إلى التخلى عن الشيوعية واعتناق الدين الإسلامى !



ومع أفول نجم القومية العربية وغياب رعاتها، وأمام صعود تيارات الإسلام السياسى منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، كانت بلاد العرب أرضاً خصبة لبذور الفوضى الإيرانية، وتوالت اختراقات طهران لعواصمنا عبر أسماء وكيانات عقائدية بداية من حزب الله اللبنانى وصولاً إلى مليشيات الحشد الشعبى فى العراق والحوثيين فى اليمن وغيرهم ممن قدموا المذاهب على اعتبارات الأمن القومى، وكان إيمانهم بمفهوم الوطنية أضعف كثيراً من أن يصمد أمام تمويلات العمائم السوداء.



نجحت إيران فى تصدير الفوضى، وعجز العرب عن صمود مجتمعاتهم أمام الأفكار الهدامة، حينما تآكلت النخب وفشلت فى الدفاع عن مفاهيم القومية والوطنية كركائز وصمام أمان لمعايير الأمن القومى. وحينما عجزت دوائر الفكر والإعلام عن التمييز بين ما هو نضال ومقاومة وما هو تدخل خارجى وعمالة.



نجحت إيران فى تصدير الفوضى حينما اختار ملوك وحكام العرب طواعية الانقسام بين محور ممانعة ومحور اعتدال، وحين اختاروا بخلافاتهم وانقساماتهم أن يتركوا مساحة للنظام الإيرانى للإقدام على المزيد من التدخل فى شئون العالم العربى.



فشلنا فى الصمود أمام سيناريوهات الفوضى إيرانية الصنع حينما انزلقنا جميعاً فى دوامات الربيع العربى التى نالت من عروش وجيوش، والتى لم يجنى منها العرب إلا انهيارات اقتصادية وأمراض مجتمعية متعددة الأعراض، وتهديدات أمنية من داخل وخارج الحدود.. نجحت إيران فى تصدير الفوضى، وفشلت مجتمعاتنا فى الصمود لأننا تركنا العراق يواجه وحده تبعات الغزو وما خلفه من فراغ سياسى، وأدرنا ظهورنا للأزمات اللبنانية إلى أن تمدد نفوذ حزب الله وبات جيشاً موازياً، ودولة داخل الدولة.. نجحت إيران وفشلنا نحن حينما تجاهلنا السقوط اليمنى فى دوامة القبلية، وحين خرجت قطر عن الصف العربى والاستقواء بحليف تركى وآخر شيعى.. فهل نجدد اختياراتنا الطواعية للفشل ، أم نرسم بإرادتنا قبل غيرنا طريقنا نحو النجاح عبر بناء نخبة قادرة على مناقشة الفكرة بالفكرة، وإعلام واع قادر على التمييز بين الغث والسمين ، ومجتمعات سليمة قادرة على التصدى لسموم الخارج، وتفكيك سيناريوهات الفوضى، ومؤسسات دول قوية بما يكفى لأن تردع، ومتطورة بما يلزم لكى ترصد.


تصدير الفوضى.. لماذا نجحت إيران ولماذا فشلنا؟ كان ذلك قبل أكثر من 40 عاماً كاملة.. كان العرب ودول العالم الثالث يطوون صفحات هامة فى تاريخهم ومعها أسماء من سطروا ذلك التاريخ. ودع المصريون جمال عبد الناصر فى وفاة مفاجئة مطلع سبعينيات القرن الماضى وفى العام نفسه كان الموت على موعد مع أحمد سوكارنو أول رئيس لإندونيسيا بعد الاستقلال، لتأبى السبعينيات أن تغادر صفحات التاريخ دون أن تحصد المزيد من الزعامات وآخرهم فى ذلك العقد، كوامى نكروما الزعيم الغانى. من القصر إلى القبر، ودع العرب وشعوب العالم الثالث فى سبعينيات القرن الماضى زعماء، ونصبوا زعماء. فيما كانت إيران، تلك الإمبراطورية التى تربطها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، تمضى فى طريقها القائم على تفاهمات ترقى إلى العمالة بين القصر والبيت الأبيض، وتواصل دورها فى العداء الناعم غير المعلن مع عواصم العالم العربى وكافة الدول المعادية للإدارات الأمريكية المتعاقبة. راقبت إيران الرسمية الجنازات الشعبية لزعماء العرب بغير اهتمام، فيما تابعت إيران غير الرسمية المشهد بأعين سكنها الشوق لأن يكون لديها زعامة لا تربطها عمالة بالأمريكان، وكاريزما لا تشوب سيرتها علاقات من وراء ستار مع قوى الاستعمار، كان رهان الشعب فى ذلك الحين على آية الله موسوى الخمينى، ذلك العجوز المنفى إلى فرنسا بأوامر الشاه محمد رضا بهلوى آخر حكام إيران فى عصرها الإمبراطورى. راقبت إيران مشاهد الوداع ومراسم التنصيب ، فيما كانت أحلام الزعامة تراود البسطاء ، والرغبة فى العيش تحت راية "القائد الملهم" على غرار العرب تسيطر على الجميع بعدما فشل نموذج محمد مصدق فى مواجهة قوى الاستعمار ونفوذها الاقتصادى، فكان الدخول طواعية فى عباءة رجل الدين الذى يمتهن السياسة هو المصير. بوتيرة متسارعة منذ بداية السبعينيات وحتى نهايتها تشكلت نواة الثورة فى إيران إلى أن وصلت نقطة الغليان عام 1979، حينما أرغمت التظاهرات الشعبية المتكررة النظام الإيرانى على القبول بعودة "الإمام المنفى" ، ليعرف تاريخ الشرق الأوسط منذ ذلك الحين نوعاً جديداً من الثورات قائم على مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية تم تلوينها جميعاً بصبغة دينية ويفاجئ من يسكنون الخرائط فى تلك المنطقة من العالم بدولة ثانية ـ بخلاف إسرائيل ـ تعلن قيامها على أساس دينى. ثار الإيرانيون فيما كانت القاهرة تعلنها على لسان زعيمها الراحل أنور السادات، وتؤكد أن 6 أكتوبر هى آخر الحروب.. ثار الإيرانيون دون أن يدروا أن بلادهم وحدودهم ومن قادوهم إلى القصر هم من سيشعلون فتيل المعركة القادمة، لتولد من رحمها عشرات من الحروب الرسمية وغير الرسمية، والنزعات المعلنة وغير المعلنة. بشعار الدم والنار، دشنت إيران عهدها الجديد، واختار القادمون الجدد أقصر الطرق لتصفية الحسابات مع العهد البائد، لتعلق ماضيها على مشانق الثورة دون توفير محاكمة عادلة، ودون كفالة ما يحفظ الحقوق. لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة عنوانها "تصدير الثورة"، تحت رايات "الدولة الإسلامية" المنشودة، وشعارات توافر فيها الحماس، وغاب عنها العقل والمنطق. ومع شعارات تصدير الفوضى، كان بديهياً أن توصد كل الأبواب التى تؤدى إلى قبول الآخر، وكان الصدام العسكرى أقرب مما توقعه كثيرون، لتندلع الحرب العراقية الدامية مع الشريك الحدودى الأول لـ"إيران الثورة"، ليذهب الخمينى إلى ما هو أبعد من بغداد، ويراسل بعد أقل من 10 سنوات على تدشين نظام حكمه، وتحديداً فى السابع من يناير 1989 زعيم الاتحاد السوفيتى ميخائيل جورباتشوف، ليدعوه إلى التخلى عن الشيوعية واعتناق الدين الإسلامى ! ومع أفول نجم القومية العربية وغياب رعاتها، وأمام صعود تيارات الإسلام السياسى منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، كانت بلاد العرب أرضاً خصبة لبذور الفوضى الإيرانية، وتوالت اختراقات طهران لعواصمنا عبر أسماء وكيانات عقائدية بداية من حزب الله اللبنانى وصولاً إلى مليشيات الحشد الشعبى فى العراق والحوثيين فى اليمن وغيرهم ممن قدموا المذاهب على اعتبارات الأمن القومى، وكان إيمانهم بمفهوم الوطنية أضعف كثيراً من أن يصمد أمام تمويلات العمائم السوداء. نجحت إيران فى تصدير الفوضى، وعجز العرب عن صمود مجتمعاتهم أمام الأفكار الهدامة، حينما تآكلت النخب وفشلت فى الدفاع عن مفاهيم القومية والوطنية كركائز وصمام أمان لمعايير الأمن القومى. وحينما عجزت دوائر الفكر والإعلام عن التمييز بين ما هو نضال ومقاومة وما هو تدخل خارجى وعمالة. نجحت إيران فى تصدير الفوضى حينما اختار ملوك وحكام العرب طواعية الانقسام بين محور ممانعة ومحور اعتدال، وحين اختاروا بخلافاتهم وانقساماتهم أن يتركوا مساحة للنظام الإيرانى للإقدام على المزيد من التدخل فى شئون العالم العربى. فشلنا فى الصمود أمام سيناريوهات الفوضى إيرانية الصنع حينما انزلقنا جميعاً فى دوامات الربيع العربى التى نالت من عروش وجيوش، والتى لم يجنى منها العرب إلا انهيارات اقتصادية وأمراض مجتمعية متعددة الأعراض، وتهديدات أمنية من داخل وخارج الحدود.. نجحت إيران فى تصدير الفوضى، وفشلت مجتمعاتنا فى الصمود لأننا تركنا العراق يواجه وحده تبعات الغزو وما خلفه من فراغ سياسى، وأدرنا ظهورنا للأزمات اللبنانية إلى أن تمدد نفوذ حزب الله وبات جيشاً موازياً، ودولة داخل الدولة.. نجحت إيران وفشلنا نحن حينما تجاهلنا السقوط اليمنى فى دوامة القبلية، وحين خرجت قطر عن الصف العربى والاستقواء بحليف تركى وآخر شيعى.. فهل نجدد اختياراتنا الطواعية للفشل ، أم نرسم بإرادتنا قبل غيرنا طريقنا نحو النجاح عبر بناء نخبة قادرة على مناقشة الفكرة بالفكرة، وإعلام واع قادر على التمييز بين الغث والسمين ، ومجتمعات سليمة قادرة على التصدى لسموم الخارج، وتفكيك سيناريوهات الفوضى، ومؤسسات دول قوية بما يكفى لأن تردع، ومتطورة بما يلزم لكى ترصد.
2
1 Comments 0 Shares